جلال الدين السيوطي

5

مختصر كتاب الفرج بعد الشدة ( الأرج في الفرج )

مقدمة المحقق الحمد للّه وكفى ، وصلاة وسلاما على نبيه المصطفى محمد صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم . وبعد ، فالحياة الدنيا لا تثبت على حال ، ولا تسير بنا على وتيرة واحدة ؛ فيوم تقبل علينا بوجهها حتى نظن أننا حزناها ، وأننا قادرون عليها ، عندئذ تقلب لنا الدنيا ظهر المجن « 1 » ، وتجعل عاليها سافلها . ويوم تعطينا ظهرها ، وتولي مدبرة فنظن أن الدنيا من حولنا قد أظلم فيها كل شيء ، عندئذ ينبلج « 2 » النور مؤذنا بعهد جديد أحسن حالا من ذي قبل . وكما قال النمر بن تولب « 3 » : فيوم علينا ويوم لنا * ويوم نساء ويوم نسر كل ذلك يسير وفق مشيئة العليم الخبير . والفطن الأريب « 4 » هو الذي ينفض يديه من الدنيا ، ويتجه بكليته إلى رب الأرباب ، وعنده سيجد الحياة رحبة واسعة ، وإن كان يرسف « 5 » في الأغلال ، متوسلا لذلك بكثرة المناجاة والنداء .

--> ( 1 ) " المجنّ : التّرس . وفي حديث علي - كرّم اللّه وجهه : كتب إليّ ابن عباس : قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ . قال ابن الأثير : هذه كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودّة أو رعاية ثم حال عن ذلك . ابن سيده : وقلب فلان مجنّه : أي أسقط الحياء وفعل ما شاء . وقلب أيضا مجنّه : ملك أمره واستبدّ به " [ لسان العرب ، مادة ( جنن ) ] . ( 2 ) " بلج الصبح يبلج بالضم ، أي : أضاء . وانبلج وتبلّج مثله " [ مختار الصحاح ، مادة ( بلج ) ] . ( 3 ) " النمر بن تولب [ . . . - نحو 14 ه - . . . - نحو 635 م ] : النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي : شاعر مخضرم . كان من ذوي النعمة والوجاهة ، جوادا وهّابا لماله . أدرك الإسلام وهو كبير السن ، ووفد على النبي صلى اللّه عليه وسلم فكتب عنه كتابا لقومه ، فيه : " هذا كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبني زهير بن أقيش : إنكم إن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم خمس ما غنمتم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأنتم آمنون بأمان اللّه عزّ وجلّ " ، وروى عنه حديثا . وذكره " عمر " يوما فترحم عليه ، فكأنه مات في أيام أبي بكر أو بعده بقليل " [ الأعلام للزركلي ، ( 8 / 48 ) باختصار ] . ( 4 ) " الإرب والإربة والأربة والأرب : الدّهاء والبصر بالأمور ، وهو من العقل . أرب أرابة ، فهو أريب من قوم أرباء " [ لسان العرب ، مادة ( أرب ) ] . ( 5 ) " الرّسف والرّسيف والرّسفان : مشي المقيّد . رسف في القيد يرسف ويرسف رسفا ورسيفا ورسفانا : مشى مشي المقيّد ، وقيل : هو المشي في القيد رويدا ، فهو راسف " [ السابق ، مادة ( رسف ) ] .